جمال الدين بن نباتة المصري

53

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء ! لا أصبر على هذا ، فقال موسى : واللّه ما صنعت ذلك لهارون ، بل جعله اللّه له . فقال : واللّه لا أصدّقك أبدا حتى تأتيني باية ، فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل أن يجيء كلّ رجل منهم بعصاه ، فجاءوا بها ، فألقاها موسى عليه السلام في قبّة له ، وكان ذلك بأمر اللّه تعالى ، ودعا موسى أن يريهم اللّه بيان ذلك ، فباتوا يحرسون عصيّهم ، فأصبحت عصا هارون تهتزّ ، لها ورق أخضر - وكانت من شجر اللّوز - فقال موسى : يا قارون ، أما ترى صنع اللّه تعالى لهارون ! فقال : واللّه ما هذا بأعجب مما تصنع من السّحر . ثم اعتزل بمن معه من بني إسرائيل . وكان كثير المال والتّبع ، فدعا عليه موسى . وقيل : إنّه لما نزلت آية الزكاة على موسى ، جاء موسى إليه وصالحه على كلّ ألف دينار بدينار ، وألف شاة بشاة ، وعلى هذا الأسلوب ، فحسب ذلك فوجده مالا عظيما ، فجمع قومه من بني إسرائيل ، وقال : إنّ موسى يأمركم بكلّ شيء فتطيعونه ، وهو الآن يريد أخذ أموالكم ، فقالوا : أنت كبيرنا ، فمرنا بما شئت ، فقال : علىّ بفلانة البغىّ ؛ فأعطاها مائة دينار ، وأمرها بأن تقذف موسى بنفسها ، وجاء إلى موسى وقال : إنّ قومك قد اجتمعوا لتأمرهم وتنهاهم ، فخرج ، فقام فيهم خطيبا ، فقال : يا بني إسرائيل ، من سرق قطعناه ، ومن زنى جلدناه ؛ فإن كانت له امرأة رجمناه . فصاح به قارون : وان كنت أنت ! فقال : نعم ، قال : فإنّ بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة البغىّ ! فقال : علىّ بها ، فجاءت وقال لها موسى : يا فلانة ، أنا فعلت ما يقول هذا ؟ فقالت : لا واللّه يا نبىّ اللّه ؛ وإنما جعل لي جعلا حتى أقذفك بنفسي ؛ فسجد موسى يبكى ويتضرّع ، فأوحى اللّه إليه : مر الأرض بما تشتهيه ، فقال : يا أرض ، خذيه - يعنى قارون - فأخذته حتى غيّبت بعضه ، ثم لم يزل يقول : خذيه وهو يغيب حتى لم يبق من جسده إلّا القليل ؛ وهو يتضرّع إلى موسى ويسأله وهو يقول : خذيه ، إلى أن غاب .